المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خطبة عن يوم الشهيد المصري عبدالمنعم رياض


جودي احمد
02-20-2018, 09:19 PM
https://www.kalimat1.com/vb/upload/2017/2188kalimat1.com.jpg

خطبة الجمعة مكتوبة عن يوم الشهيد في مصر

الحمد لله الذي أعطى فأجزل العطاء، واتخذ من عباده المؤمنين شهداء، فأكرمهم واصطفاهم خير اصطفاء، وقال: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ ﴾ [آل عمران: 169]، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء وإمام الحنفاء محمد بن عبدالله وآله وأصحابه النجباء، وبعد:


أحبتي في الله: صبَح الجيل المسلم اليوم لا يفكر في الشهادة كثيرا، لا يفكر في أعظم صورة من صور التكريم الإلهي للإنسان، ولو ناقشت ابنك - أيها المسلم - في كل مكان عن الشهادة وسألته: مَن هو الشهيد؟ وما له عند الله؟ وما هم الشهداء في أمة محمد صلى الله عليه وسلم لما عرف الجواب؛ لأنها قضية قد غابت وتلاشت في حسِّ الجيل المسلم، وصارت همومه صغيرة، وحين خرج عمير بن أبي وقاص أخو سعد رضي الله عنهما بإعادة المُجاهدين الصغار إلى المدينة يَستسخرهم للفتوحات الإسلامية الكبرى بكى عمير، قيل ما يبكيه قال: أخوه سعد والله يا رسول الله ما خرج من المدينة للقافلة، إنما خرج من المدينة يريد الشهادة في سبيل الله، فلا تحرمه الشهادة في سبيل الله يا رسول الله، فلما سمع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم أكبر عنده هذا الشعور العظيم الإيماني الكبير فأذن له على صِغَر سنة ونحافة جسمه؛ حيث إن سعدًا يقول: أخذت أربط حمائل سيفه على بطنه فلا تقواه فتنزل؛ لأنه كان نحيفًا يجرُّ سيفه خلفه، وله همة عظيمة أعلى من قمم الجبال ولا يطيقها أعظم الرجال، إنه لم يذق من شهوة الدنيا شيئًا، لا يزال طفلاً صغيرًا يَخرج إلى مسافة بعيدة، إلى الأقطار يريد الشهادة؛ لأنه سمع الله وسمع رسوله يحدثه عن الشهادة ومنازل الشهداء، وما عند الله للشهيد، فكان من أوائل الشهداء في غزوة بدر رضي الله عنه ورحمه، وجدير بأبنائنا أن يحفظوا اسمه وأن يكون لهم قدوة وأسوة.

أيها المسلمون:

إن الشهادة في سبيل الله درجة عالية لا يَهبُها الله إلا لمن يَستحقُّها، فهي اختيار من العلي الأعلى للصفوة من البشر ليَعيشوا مع الملأ الأعلى، ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ﴾ [آل عمران: 140]، إنها اصطفاء وانتقاء للأفذاذ من البشر ليكونوا في صحبة الأنبياء ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ [النساء: 69].

ايها المسلمون:
في هذه الايام نستذكر يوم الشهيد المصري عبدالمنعم رياض..الفريق أول عبد المنعم رياض واحدا من أشهر العسكريين العرب خلال النصف الثاني من القرن العشرين. شارك في الحرب العالمية الثانية ضد القوات الألمانية والإيطالية بين عامي 1941 و 1942, وفي حرب فلسطين عام 1948, وحرب 1956, وكان قائدا لمركز القيادة المتقدم في عمان أثناء حرب 1967, كما كان أحد الأعمدة الرئيسية التي اعتمد عليها الرئيس جمال عبد الناصر في إعادة بناء وتنظيم القوات المسلحة المصرية وحرب الاستنزاف..استشهد أثناء الاشتباكات العنيفة التي حدثت بين القوات المصرية والإسرائيلية في 9 مارس/آذار 1969 على امتداد الجبهة من السويس جنوبا إلى القنطرة شمالا ..

الشهادة أعظم مراتب ذِكر الله:
قال الإمام الغزالي رحمه الله في "الإحياء":
قال تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ ﴾ [آل عمران: 169، 170] الآية.

لأجل شرف ذكر الله - عز وجل - عظمت رتبة الشهادة؛ لأن المطلوب الخاتمة، ونعني بالخاتمة وداع الدنيا والقدوم على الله والقلب مُستغرِق بالله - عز وجل - منقطع العلائق عن غيره، فإن قدر عبد على أن يجعل همَّه مُستغرقًا بالله - عز وجل - فلا يقدر على أن يَموت على تلك الحالة إلا في صفِّ القتال.

فإنه قطع الطمع عن مهجته وأهله وماله وولده، بل من الدنيا كلها فإنه يُريدها لحَياته وقد هون على قلبه حياته في حب الله - عز وجل - ونيل مرضاته، فلا تجرُّد لله أعظم من ذلك، ولذلك عظم أمر الشهادة وورد فيه من الفضائل ما لا يُحصى.

لماذا سمي الشهيد شهيدًا؟
يقول الإمام النووي - رحمه الله -: "وأما سبب تسميته شهيدًا فقال النضر بن شميل: لأنه حي؛ فإن أرواحهم شهدَت وحضرت دار السلام وأرواح غيرهم إنما تَشهدها يوم القيامة.

وقال ابن الأنباري: إن الله تعالى وملائكته عليهم الصلاة والسلام يشهدون له بالجنة.

وقيل: لأنه شهد عند خروج روحه ما أعده الله تعالى له من الثواب والكرامة.

وقيل: لأن ملائكة الرحمة يشهدونه فيأخذون روحه.

وقيل: لأنه شهد له بالإيمان وخاتمة الخير بظاهر حاله.

وقيل: لأن عليه شاهدًا بكونه شهيدًا، وهو الدم.

وقيل: لأنه ممن يشهد على الأمم يوم القيامة بإبلاغ الرسل الرسالة إليهم، وعلى هذا القول يشاركهم غيرهم في هذا الوصف".

4- مَن هو الشهيد؟
وقد أوضحت السنة أن الشهداء لهم تعريف خاص، تتبَّعنا هذه التعريفات للشهداء فوجدنا أولها: ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله))؛ مَن اعتنق الحق، وأخلص له، وضحى في سبيله، وبذل دمه ليروي شجرة الحق به فهذا شهيد.

شهيد آخر: هو الذي يأبى الدنية، ويَرفض المذلة والهوان، فإن الله - سبحانه وتعالى - جعل العزة للمؤمنين، فإذا حاول أحد أن يستذلَّك فدافِع، إذا حاول أحد أن يجتاح حقك فقاوم، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: ((فلا تعطه مالَكَ)) قال: أرأيتَ إن قاتلني؟ قال: ((قاتِلْه))، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: ((فأنت شهيد))، قال: أرأيت إن قتلتُه؟ قال: ((هو في النار)).

وجاء في السنن أيضًا: ((مَن قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد))، فالمسلم ينبغي أن يتشبث بحقوقه، وأن يدافع عنها، وألا يجعل الدنية صفة له، بل ينبغي أن يُحافظ على حقه الأدبي والمادي.

يلحق بالشهداء أيضًا من مات حرَقًا، مَن مات غرَقًا، مَن مات مبطونًا، من مات مطعونًا، عدد من المصاير الفاجعة التي تُصيب الناس، والأصل في هذا ما جاء في الحديث الشريف: ((ما يُصيب المسلم من نصَبٍ، ولا وصَبٍ، ولا همٍّ، ولا حزن، ولا أذى، ولا غم، حتى الشوكة يُشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه))، فإذا مات مؤمن في حادث من هذه الحوادث المُحزنة المتعبة فهو يلحق عند الله بالشهداء.

أيها المُستمعون الكرام:
نُحيِّي شهداءنا الأبرار، الذين يَحرصون على وحدة أمتهم، وكرامة بلدهم، وصون مجتمعهم، نعم:
فالله كرَّمه وأعلى شأنه
وله الخلود بجنة الرضوان
إن الشهيد مقامه في أوجها
كالنَّجم يَسمو فوق كل مكان
حيٌّ، وكل الناس في أجداثهم
فالرُّوح في الرَّوضات والأفنان


إن الشهيد لما بذل حياته لله أعطاه الله سبحانه حياة أكمل منها عنده في محل قربه وكرامته: ((من بذل شيئًا لله أعطاه الله خيرًا منه))، حياة غير الشهيد شوب النغص ممزوج بالغصص، إن أضحكت قليلاً أبكت كثيرًا، وإن سرَّت يومًا أحزنت شهورًا، أولها مخاوف، وآخرها متالف، أما الشهيد فقتْل آخره حياة، ولكن أي حياة؟! غير الشهيد يَحيا مع من؟! والشهيد يَحيا عند مَن؟! فارق أهل الدنيا الذين يَموتون، فمن الله عليه بالحياة عند الحي الذي لا يموت، لما مزَّقت أجسادهم في دار الدنيا لله - عز وجل - فمنَّ الله عليهم بحواصل طير خضر، حبست أقدامهم عن السعي فمَنَّ الله عليهم بأن يَسرحوا في الجنة حيث شاؤوا.

نظر وتأمُّل: لما ترك المجاهد الفراش والأزواج جاد عليه الملك الوهاب بكثرة الأزواج من الحور العين والجزاء عند الله من جنس العمل، فاز بوصال مَن خُلقت من النور، ونشأت في ظلال القصور مع الولدان والحور، في دار النعيم والسرور، والله لا يجفُّ دم الشهيد حتى تلقاه، وتستمتِع بشهود نورها عيناه، حوراء عيناء، جميلة حسناء، بكر عذراء، كأنها الياقوت لم يطمثها إنس قبله ولا جان، كلامها رخيم، وقدها قويم، وشعرها بهيم، وقدرها عظيم، وجفنها فاتر، وحسنها باهر، وجمالها زاهر، ودلالها ظاهر، كحيل طرفها، جميل ظرفها، عذب نطقها، عجب خلقها، حسن خلقها، زاهية الحُليِّ، بهية الحلل، كثيرة الوداد، عديمة الملل، قد قصرت طرفها عليك، فلم تنظر سواك، وتحبَّبت إليك بما وافق هواك، لو برَز ظفرها لطمس بدر التمام، ولو ظهر سُوارها ليلاً لم يبقَ في الكون ظلام، ولو بدا معصمها لسَبى كل الأنام، ولو اطَّلعت بين السماء والأرض لملأ ريحًا ما بينهما، كلما نظرتَ إليها ازدادت في عينيك حسنًا، وكلما جالستها زادت إلى ذلك الحسن حسنًا، أيجمل بعاقل أن يسمع بهذه ويقعُد عن وصالها، كيف وله في الجنة من الحور العين أمثال أمثالها؟!
يا للشهيد كأنه ملِكٌ
دُنياه شامخة وأُخراهُ
لله درُّ أبيه مِن بطل
كالكوكب الدرِّيِّ تَلقاهُ
مِسكُ الجنان يفوح من دمه
والبدر يَسطع مِن مُحياهُ
في الأرض ندفنه وفي قمم ال
فردوس عند الله محياهُ
ليلاه حوراء الجنان إذا
كل امرئ شغفَتْهُ ليلاهُ
هذا الشهيد ألستَ تعرفه
العزُّ بين يديه والجاهُ
العزُّ في كنف العزيز ومَن
عبَدَ العبيد أذله اللهُ


ولا بأس - أيها الإخوة الكرام - بأن نقول: فلان شهيد ما لم يعلم بوجود مانع من ذلك؛ قال الإمام البخاري - رحمه الله - : "باب لا يقول: فلان شهيد"، والظاهر أن هذا محمول على القطع بمآله في الآخرة ونَيله فيها درجة الشهداء، ولهذا أردفه بقوله: "قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((الله أعلم بمَن يُجاهد في سبيله، والله أعلم بمن يكلم في سبيله)) اهـ، قال السندي: "قوله: "باب لا يقول: فلان شهيد" أي: بالنظر إلى أحوال الآخرة، وأما بالنظر إلى أحكام الدنيا فلا بأس، وإلا يشكل إجراء أحكام الدنيا، والله تعالى أعلم" اهـ.

اللهم إليك يا من بيده أزمة القلوب نرغب في ثباتها، وعليك يا علام الغيوب نعتمد في تصحيح قصدها وإخلاص نياتها، وإلى غناك نمد أيدي الفاقة أن ترزقنا شهادة ترضاها، وأن تنيل نفوسنا من ثبات الأقدام في سبيلك، فالحراك والسكون إليك، والمعول في كل خير عليك، وأنت على كل شيء قدير، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.