احاديث عن ليلة النصف من شعبان مكتوبة، ما صح منها وما لم يصح
محتويات الموضوع
كل عام، ومع اقتراب منتصف شهر شعبان، تنتشر في الرسائل والمجموعات أحاديث كثيرة عن ليلة النصف من شعبان، بعضها له أصل معتبر، وكثير منها ضعيف أو لا أصل له. والمسلم الحريص على دينه يحب أن يعرف ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم فعلا قبل أن ينشر شيئا باسمه. لذلك جمعنا هنا أشهر ما ورد في هذه الليلة وفي شهر شعبان عموما، مع بيان درجة كل رواية بحسب ما ذكره أهل الحديث، وما ينبغي للمسلم أن يفعله في هذه الأيام.

ما هي ليلة النصف من شعبان؟
هي الليلة التي تسبق اليوم الخامس عشر من شهر شعبان، أي أنها تبدأ بغروب شمس اليوم الرابع عشر وتمتد حتى فجر اليوم الخامس عشر. وشعبان هو الشهر الثامن من الشهور الهجرية، يقع بين رجب ورمضان، ولهذا كان كثير من السلف يعدّونه شهر الاستعداد لرمضان، يعوّدون فيه أنفسهم على الصيام وقراءة القرآن قبل أن يدخل الشهر الكريم.
أشهر حديث في فضل ليلة النصف من شعبان
الحديث الذي يعتمد عليه أكثر من أثبت لهذه الليلة فضلا هو حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«يطلع الله إلى خلقه في ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن» رواه ابن حبان والطبراني.

وقد رُوي هذا المعنى من طرق عن عدد من الصحابة، منهم أبو موسى الأشعري وأبو ثعلبة الخشني وعبد الله بن عمرو رضي الله عنهم، وفي كل طريق منها مقال عند المحدثين. فمن العلماء من قوّى الحديث بمجموع هذه الطرق، وممن صححه بها الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة، ومنهم من رأى أن طرقه لا تقوى على إثبات فضل خاص لهذه الليلة.
ما معنى المشاحن؟
المشاحن هو الذي في قلبه عداوة وبغضاء لأخيه المسلم، يقاطعه ويخاصمه لأجل أمر من أمور الدنيا. والرسالة التي يخرج بها المسلم من هذا الحديث رسالة عملية جدا: من كان بينه وبين أحد خصام، فليبادر إلى الصلح قبل هذه الليلة، ولا يدع الحقد يحرمه المغفرة.
أحاديث صحيحة عن شهر شعبان
إذا كان فضل ليلة النصف محل خلاف بين أهل العلم، فإن فضل شهر شعبان كله ثابت بأحاديث صحيحة لا خلاف فيها، وهي أولى بالنشر والعمل:
كثرة صيام النبي صلى الله عليه وسلم في شعبان:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صياما منه في شعبان» رواه البخاري ومسلم.

شعبان شهر ترفع فيه الأعمال:
عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت يا رسول الله، لم أرك تصوم شهرا من الشهور ما تصوم من شعبان، قال: «ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم» رواه النسائي، وحسنه أهل العلم.

لا تتقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم» رواه البخاري ومسلم.
صيام الأيام البيض:
عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذر، إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة» رواه الترمذي والنسائي.
وهذا الحديث مهم في موضوعنا، لأن اليوم الخامس عشر من شعبان من الأيام البيض، فمن صامه مع الثالث عشر والرابع عشر فقد أصاب السنة بلا إشكال، دون أن يخصه وحده بصيام لأجل فضل لم يثبت.
روايات مشهورة عن ليلة النصف ضعّفها العلماء
هذه روايات يكثر تداولها، والأمانة تقتضي أن يعرف القارئ أن أهل الحديث تكلموا فيها:
- حديث «إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها»: رواه ابن ماجه من حديث علي رضي الله عنه، وإسناده ضعيف جدا عند المحدثين، فلا يُبنى عليه تخصيص قيام تلك الليلة وصيام نهارها.
- حديث عائشة رضي الله عنها حين فقدت النبي صلى الله عليه وسلم فوجدته بالبقيع: رواه الترمذي وابن ماجه، وفيه أن الله يغفر في تلك الليلة لأكثر من عدد شعر غنم بني كلب، وقد نقل الترمذي نفسه عن الإمام البخاري أنه ضعّف هذا الحديث.
- الروايات المطولة التي تذكر أصنافا كثيرة لا يُغفر لهم في تلك الليلة: أكثرها بأسانيد ضعيفة، وبعضها نص البيهقي وغيره على ضعف إسناده.
- الصلاة المخصوصة ليلة النصف بعدد معين من الركعات: كالتي يقرأ فيها المصلي سورة الإخلاص مرات كثيرة في كل ركعة، وهذه لم يثبت فيها شيء، ونص العلماء على أن رواياتها موضوعة، وعدّوا تخصيصها من البدع.
وليس معنى ضعف هذه الروايات أن المسلم يُحرم من العبادة في تلك الليلة، فالقيام والدعاء والذكر مشروع في كل ليلة من ليالي العام. المقصود ألا يعتقد أن لهذه الليلة عبادة خاصة بصفة أو عدد معين لم يأمر به النبي صلى الله عليه وسلم.
ماذا يفعل المسلم في ليلة النصف من شعبان؟
خلاصة ما يمكن أن يفعله المسلم في هذه الأيام بطمأنينة، بعيدا عن الخلاف:
- أصلح ما بينك وبين الناس: اتصل بقريب قاطعته، أو صديق خاصمته، فهذا مقصود الحديث الأشهر في الباب، وهو عمل صالح في كل وقت.
- جدد التوحيد في قلبك: فالحديث استثنى المشرك من المغفرة، وأعظم ما يستعد به المسلم إخلاص عبادته لله وحده.
- صم الأيام البيض: الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، فهي سنة ثابتة في كل شهر.
- أكثر من الصيام في شعبان عموما: اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، مع مراعاة ألا تتقدم رمضان بيوم أو يومين إلا إن كان لك صوم معتاد.
- اقض ما عليك من رمضان الماضي: كانت عائشة رضي الله عنها تقضي ما عليها من رمضان في شعبان، كما في الصحيحين، فمن عليه أيام فليبادر.
- قم ما تيسر من الليل: كما تقوم في سائر الليالي، وادع بما تحب من خير الدنيا والآخرة، دون تخصيص صلاة بعدد معين.
- ابدأ الاستعداد لرمضان: بتنظيم وردك من القرآن، والتخفيف من الانشغال بما لا ينفع.
نصيحة قبل نشر أي حديث
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» رواه البخاري ومسلم.
لا يعني هذا أن من أرسل حديثا ضعيفا دون علم آثم، لكنه يعلمنا أن نتثبت. قبل أن تضغط زر الإرسال على رسالة تبدأ بـ«قال رسول الله»، اسأل نفسك: هل أعرف من رواه؟ هل هو في الصحيحين أو في كتب السنن المعروفة؟ هل ذكر أحد من أهل العلم درجته؟ وإن لم تجد جوابا فأرسل للناس حديثا من الأحاديث الصحيحة المذكورة أعلاه، ففيها الخير الكثير.
أسئلة شائعة عن ليلة النصف من شعبان
متى تبدأ ليلة النصف من شعبان؟
تبدأ بغروب شمس اليوم الرابع عشر من شعبان، وتنتهي بطلوع فجر اليوم الخامس عشر، لأن الليلة في التقويم الهجري تسبق نهارها.
هل يُسن صيام يوم النصف من شعبان؟
لم يثبت حديث صحيح في تخصيصه وحده بالصيام، لكنه من الأيام البيض التي يسن صيامها في كل شهر، فمن صامه مع اليومين قبله فقد عمل بسنة ثابتة.
هل هناك دعاء خاص بليلة النصف من شعبان؟
لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم دعاء مخصوص بها، فيدعو المسلم بما شاء من الأدعية المأثورة وغيرها، ويكثر من الاستغفار وسؤال العفو والعافية.
هل ليلة النصف من شعبان هي الليلة المذكورة في سورة الدخان؟
الذي عليه أكثر المفسرين أن الليلة المباركة التي أنزل فيها القرآن هي ليلة القدر في رمضان، لأن الله تعالى قال في سورة البقرة إن القرآن أنزل في شهر رمضان، والقول بأنها ليلة النصف من شعبان قول ضعّفه المحققون.
هل يجوز الاجتماع في المساجد لإحياء هذه الليلة؟
اختلف العلماء في ذلك، وكثير منهم كره الاجتماع لها على هيئة مخصوصة لم تكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، والأسلم أن يعبد المسلم ربه في بيته بما تيسر، كما يفعل في سائر الليالي.





