خطبة عن عيد الأم مكتوبة، خطبة جمعة عن بر الأم وفضلها كاملة
محتويات الموضوع
يقترب موعد ما يعرف بعيد الأم كل عام، فيكثر حديث الناس عن الأم والهدايا والتهاني، ويجد الخطيب فرصة طيبة ليذكّر الناس بمكانة الأم في الإسلام، وأن برها عبادة لا تنحصر في يوم من السنة. هذه خطبة جمعة مكتوبة كاملة، بخطبتين، اعتمدنا فيها على آيات قرآنية وأحاديث صحيحة مع ذكر مصادرها، وكتبناها بلغة قريبة من الناس، مع نصائح للخطيب في آخرها.

عناصر الخطبة
- مكانة الأم في القرآن الكريم.
- وصية النبي صلى الله عليه وسلم بالأم.
- ما تحملته الأم من أجل أبنائها.
- صور من بر السلف بأمهاتهم.
- البر ليس يوما في السنة.
- صور عملية للبر في حياتنا اليومية.
- بر الأم بعد موتها.
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي أمر ببر الوالدين، وجعل رضاهما طريقا إلى سعادة الدارين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق الإنسان من ضعف، ثم جعل من بعد ضعف قوة، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، أبر الناس وأوصاهم بالوالدين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله، فهي وصية الله للأولين والآخرين، قال تعالى: «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون» (سورة الحشر: 18).

عباد الله، في هذه الأيام يكثر حديث الناس عن الأم، وتمتلئ المحلات بالهدايا، وتتزاحم الرسائل في الهواتف. والحديث عن الأم حديث حبيب إلى كل قلب، لكن المسلم يعلم أن دينه سبق كل هذه المناسبات، فجعل بر الأم عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه في كل يوم، لا في يوم واحد من السنة. فتعالوا نغتنم هذه المناسبة لنتذكر ما أوصانا به ربنا ونبينا في حق الأم.
الأم في كتاب الله
لقد قرن الله سبحانه حق الوالدين بحقه، فقال جل وعلا: «وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما * واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا» (سورة الإسراء: 23-24).

ثم خص الأم بالذكر، فذكّرنا بما قاسته، فقال سبحانه: «ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير» (سورة لقمان: 14).
وقال تعالى: «ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا» (سورة الأحقاف: 15).
تأملوا يا عباد الله: لم يذكر الله تعب الأب في هذه الآيات، مع عظيم فضله، وإنما ذكر الحمل والوضع والرضاع، لأنها أمور انفردت بها الأم، فكان لها مزيد من الحق.
وحين أنطق الله عيسى عليه السلام في المهد، كان من أول ما وصف به نفسه البر بأمه: «وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا» (سورة مريم: 32).
الأم في هدي النبي صلى الله عليه وسلم
جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «ثم أمك»، قال: ثم من؟ قال: «ثم أمك»، قال: ثم من؟ قال: «ثم أبوك» رواه البخاري ومسلم.
ثلاث مرات يكرر النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الأم، ثم يذكر الأب في الرابعة. وقال العلماء: إن ذلك لما انفردت به الأم من صعوبة الحمل، ثم الوضع، ثم الرضاع.
وسأل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: «الصلاة على وقتها»، قال: ثم أي؟ قال: «ثم بر الوالدين»، قال: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» رواه البخاري ومسلم. فجعل البر بعد الصلاة وقبل الجهاد.
وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من تضييع هذه الفرصة فقال: «رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف»، قيل: من يا رسول الله؟ قال: «من أدرك أبويه عند الكبر، أحدهما أو كليهما، فلم يدخل الجنة» رواه مسلم.

ماذا قدمت لك أمك؟
تأمل يا عبد الله حالك يوم كنت صغيرا. حملتك أمك شهورا، تثقل عليها كل يوم أكثر، فلا تنام إلا بصعوبة، ولا تقوم إلا بمشقة. ثم جاءت ساعة الولادة، فرأت فيها من الشدة ما لا يصفه لسان، فلما سمعت صوتك نسيت ألمها وضمتك إلى صدرها. ثم سهرت لتنام، وجاعت لتشبع، وتعبت لترتاح. إذا مرضت لم يغمض لها جفن، وإذا ضحكت أشرق وجهها. فلما كبرت واشتد عودك، كانت لا تزال تسأل عنك، وتدعو لك في كل صلاة، وتخاف عليك وأنت رجل كما كانت تخاف عليك وأنت طفل.
وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الولد مهما فعل لن يوفي حق والده، فقال: «لا يجزي ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه» رواه مسلم. فإذا كان هذا في حق الوالد، فكيف بحق الأم التي جعل لها الشرع ثلاثة أضعاف حقه في الصحبة؟
ويُروى أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما رأى رجلا يمنيا يطوف بالبيت وهو يحمل أمه على ظهره، فسأله الرجل: أتراني جزيتها؟ فقال ابن عمر: لا، ولا بزفرة واحدة. يعني: ولا بزفرة من زفراتها وهي تلدك.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
أما بعد، عباد الله، فإن بر الأم ليس كلمة في بطاقة، ولا وردة في يوم معين، بل هو سلوك يومي يظهر في التفاصيل الصغيرة. وقد اختلف أهل العلم في حكم تخصيص يوم في السنة للاحتفال بالأم، والذي لا خلاف فيه أن برها واجب في كل يوم، وأن من اكتفى بيوم واحد ونسي أمه بقية العام فقد أضاع أعظم أبواب الخير.
صور من بر الصالحين
لقد فهم سلفنا الصالح هذا المعنى فعاشوه. فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عن رجل من اليمن اسمه أويس القرني، وذكر أن له أما هو بها بار، وأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه إن لقيه أن يطلب منه أن يستغفر له، كما في صحيح مسلم. رجل لم يره النبي صلى الله عليه وسلم، ورفع ذكره ببره بأمه.
ويُذكر عن محمد بن سيرين أنه كان إذا كلم أمه خفض صوته كأنه يتضرع، حتى ظن من رآه عندها أنه مريض. ويُذكر عن علي بن الحسين زين العابدين أنه كان لا يأكل مع أمه في إناء واحد، فلما سئل قال: أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها فأكون قد عققتها.
صور عملية للبر في حياتنا
يا عباد الله، البر لا يحتاج مالا كثيرا ولا وقتا طويلا. ومن صوره:
- أن تسلم عليها كل يوم، ولو باتصال قصير إن كنت بعيدا.
- أن تخفض صوتك عندها، ولا ترد عليها بضجر أو تأفف.
- أن تقضي حاجتها قبل أن تطلبها، وتسأل عما تحتاجه.
- أن تقدمها على نفسك في الطعام والمجلس.
- أن تستشيرها في أمورك، فتشعر بأنها ما زالت مهمة في حياتك.
- أن تصبر عليها إذا كبرت وتغير مزاجها، فقد صبرت عليك وأنت صغير.
- ألا تفضل عليها زوجة ولا صديقا، وأن تحسن الجمع بين الحقوق.
- أن تكثر من الدعاء لها في صلاتك.
وحتى من كانت أمه على غير الإسلام، أمره الشرع ببرها وصلتها. فقد سألت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما النبي صلى الله عليه وسلم عن أمها التي قدمت عليها وهي مشركة: أفأصلها؟ قال: «نعم، صلي أمك» رواه البخاري ومسلم.
بر الأم بعد موتها
ومن فقد أمه فلا يظن أن باب البر قد أغلق. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» رواه مسلم. فادع لها، وتصدق عنها، وصل رحمها، وأكرم صديقاتها، فهذا كله من البر الذي يصلها في قبرها.
عباد الله، اجعلوا هذا اليوم بداية لا نهاية. من كانت أمه حية فليخرج من هذا المسجد إليها، وليقبل رأسها، وليطلب دعاءها. ومن كانت أمه قد رحلت فليرفع يديه الآن بالدعاء لها.
اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، وارحمهم كما ربونا صغارا. اللهم من كان منهم حيا فأطل عمره على طاعتك، وارزقنا بره ورضاه. ومن كان منهم ميتا فاجعل قبره روضة من رياض الجنة، واجمعنا به في الفردوس الأعلى. اللهم اجعلنا من البارين، ولا تجعلنا من العاقين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
عباد الله، «إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون» (سورة النحل: 90). فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وأقم الصلاة.
نصائح للخطيب
- الخطبة الأولى تستغرق نحو خمس عشرة دقيقة، والثانية خمس دقائق، ويمكن حذف بعض الأحاديث إذا أردت الاختصار.
- راجع نصوص الآيات من المصحف قبل الخطبة، وتأكد من ضبط الأحاديث.
- فقرة ماذا قدمت لك أمك تحتاج إلقاء هادئا بطيئا، فهي أكثر ما يؤثر في الحاضرين.
- اختم بدعوة عملية واضحة، فالناس يتذكرون ما طُلب منهم فعله أكثر مما سمعوه.
أسئلة شائعة عن خطبة عيد الأم
متى تلقى خطبة عن بر الأم؟
في أي جمعة من العام، لكن يحسن أن تكون في الجمعة القريبة من موعد ما يسمى عيد الأم، لأن الناس يكونون أكثر انتباها للموضوع.
هل يمكن تقديم هذه الخطبة كدرس أو محاضرة؟
نعم، تحذف منها مقدمة الخطبة الثانية والختام الخاص بالجمعة، ويضاف إليها وقت للأسئلة.
ما أشهر آية في بر الوالدين؟
قوله تعالى: «وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا» (سورة الإسراء: 23).
هل يصح حديث الجنة تحت أقدام الأمهات؟
هذا اللفظ بعينه تكلم فيه أهل الحديث، والثابت في معناه حديث معاوية بن جاهمة السلمي عند النسائي في أمر النبي صلى الله عليه وسلم له بلزوم أمه، ولذلك لم نورده في الخطبة بلفظه المشهور.





